بكير … شاعر تهامة الأسطوري
(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)
الحلقة الثانية عشرة
نشرت في صحيفة الثورة، العدد (16010) بتاريخ الخميس 11 سبتمبر 2008م
علوان مهدي الجيلاني
البكيرية : أو الشعر في فضاءاته السحرية
المواقف الحادة أيضاً تتمثل في تصدي بكير لشعراء آخرين من معاصريه خاصة حين لا يلتزمون حدودهم معه أو يبدو منهم بعض التعدي –في نظر بكير- على مكانته واحترام تفوقه عليهم.
-1-
قيل إن بكير دعي إلى سارية في الحوية (قرية من القرى الواقعة في آثار مدينة المهجم التاريخية في حازة صليل شرقي الزيدية، على الجهة الشمالية من وادي سردود) فوجد الشاعر سعيد اعمى مسرياً، فاستاء بكير لافتتاح سعيد اعمى الليلة قبله، فبادره قائلاً:
|
يَاعَبْدْ ظَهَرَنْ خِيَانْتَكْ([1])
|
|
شَابِيْعَكْ أنَا وَشَسْتلَمْ رُبِّيْتَكْ([2])
|
|
انا مَاشَاشْ كَسْبْ مَبْغَالْ([3])
|
فقفز سعيد اعمى من مكانه وارتمى على قدمي بكير وهو يقول:
|
سيدي مْبَارِكْ انَا فِي ذِمّتَكْ([4])
|
|
عَدَّ امْقُرْقَعَهْ وِابِنْ جَارِيْتَكْ([5])
|
|
شَادِمّ في ارْبَعَهْ شْغَالْ([6])
|
(2)
حدثت سارية في دير ذيبين في خبت صليل وطلب بكير لتلك السارية وعندما جاء وجد شاعراً آخر قد بدأ الليلة وكان يقول:
فقال له بكير وقد غاضه بدؤه السارية قبله:
|
انْتَهْ بِلادَكْ امْكُوْشِيَهْ([10])
|
|
لَهَبَيْتْ ذَنَا شَاجْبِهْ
|
|
تُهُبّ عَلاَهَا امْسَافِيِهْ([11])
|
|
تَمْسي مَعَاكْ فَاحِسُ([12])
|
|
أنَا اللِّي بِلادي حِزَّ امْعَالْيِهْ
|
|
فِيهَا كُبَيْشْ مَتْقَوّسُ([13])
|
|
لَهَبَيْتْ ذَنَا شَاجْبِهْ
|
|
تَمْسي لَكَاذي غْرَسُ
|
(3)
ذهبت ابنة امبارك بكير ذات يوم تزوّد([14]) أخاها حسن الذي كان يضمد([15]) أرضاً له .. فوجدته قد وضع قطب المنهر([16]) في جبهته حتى ابتل المنهر بالدم .. فعادت وأخبرت أباها. ففهم أن ابنه يريد أن يقول الشعر..
وكان بكير على عادة كل أصحاب المواهب الروحية في البلاد -خاصة في تهامة-لا يريد لأحد من أولاده أن ينافسه في حياته على مجاله (قدراته ومواهبه) فهذا في عرفهم جريرة كبيرة يرتكبها الإبن، فليس مسموحاً للإبن أو الإبنة أو الحفيد أو الحفيدة أو أياً من الأقارب أو الأصدقاء عند هذا النوع من الشعراء (بكير والرامي) وأبنائه وكذلك عند المزورين (أهل الزار) امساوى مثلاً وأبنائه والمبدبدين (المختصون بإخراج البداة من الناس ممن أصابتهم عيونهن) حيث لا يرث أحد ممن ذكرنا صاحب الموهبة والقدرات الروحية الخارقة في مثل هذه الأشياء أو لا تظهر عليهم هذه المواهب والخوارق إلا بعد موته، شرط أن تحصل للوارث إشارة –كلامية-أو تصرف (كأن يبصق في يده) أو يموت وهو راض عن الوارث أياً كان ذلك الوارث قريباً أو بعيداً، فلم يورث بكير قدراته الشعرية والروحية الخارقة لأي من أهله أو أهل قريته (الخلعية) أو أهل منطقته (القناوص) أو أهل قبيلته (صليل) بل ورثها لشخص من مديرية السخنة بلاد الرامية اسمه محمد أحمد الرامي وكان توريثه له بعد موته، قيل: إن الرامي نام ليلة على قبر بكير فنبه عليه بكير (أشار عليه إشارة منامية) بانتقال مواهبه إليه وبأنه تنبأ له بذلك قبل موته، فكان الرامي دائماً يقول:
|
بْكَيْرْ الأبّ وانَا الإبنْ لَهْ
|
|
مَا مَاتْ لاكِدْ زْكَنْ([17])
|
صدم بكير بخبر ابنه الذي نقلته إليه ابنته فذهب من فوره ليراه وعندما وصل إليه وجده فعلاً كما قالت أخته، بل إن بعض الرواة ليقول إنه وجد الدم قد تحدر من جبهته حتى تجمع أسفل المنهر في الأرض (هبا حُقْلَهْ) أي: شكل عقماً صغيراً من الدم.
فقال يخاطبه: ما قال .. ما قال..
وهي العبارة نفسها التي تقال لبكير كي يقول([18]):
فقال الإبن:
قال بكير: فيانه (وأين هو) وادي الرقع..؟
فقال الإبن:
فدارت الدنيا ببكير إذ علم أن ابنه قد دخل في المحظور، وأن طقوس العقاب يجب أن تبدأ لكي يحافظ على عهده مع موهبته وفرادته أمام جمهوره، فوجود مشارك له فيما اختص به وحده حتى ولو كان المشارك ابنه .. يبدد الهالة الأسطورية التي تحيط به ويكسر الغموض الذي يغلف عالمه ويلعب بلا شك دوراً كبيراً في أسطرته، إضافة إلى كونه دافعاً أو محفزاً ومغرياً للناس، بالإضافة المستمرة إلى أسطورته من خلال المغذيات الحكائية التي تتكئ على بذخ المخيال الشعبي ومعطيات اللغة الشفاهية الأكثر تحرراً والأوسع حركة لم يتأخر بكير عن توجيه ضربته القاصمة إلى ابنه فقال:
فنقف (حل) حسن ثيرته (ثوريه) من الربقة والضماد (النير) وقادع (عاد إلى البيت)..
وعندما أوغل الليل.. بيّت (سرق) بنو قيس محل سويد (قرية تلتصق بقرية الخلعية التي منها بكير وقد كان يسكنهما معاً).. فخرج حسن مع الخارجين لملاحقة المبيتين فظلوا يطاردونهم حتى بلاد بني قيس .. (وهي بلاد تقع في أول الجبال شرق الخشم).. وهناك اختفى أثر السّراق، فاعتلى حسن ابن امبارك بكير حيداً([25]) يتشوّف منه([26]) فأصابته رصاصة فمات على قمة ذلك الحيد،وهذا معناه تحقق ما قاله بكير في البيت الذي هجاه به:
|
ابْنِي حِتّكْ بْصَادِيَهْ
|
|
الله لاَ حَطّيْتْ قَعْ
|
فقد مات حسن بصادية (رصاصة مجهولة المصدر) ولم يقع على القع (القاع/الأرض الواطئة) وإنما مات على قمة جبل (حيد مرتفع).
وإثر موته احتبس الكلام على بكير ولم يستطع أن يقول شيئاً، بل بقي كما يروى ثلاثة أيام لا يتكلم حتى جاءوا له بالقصاب (عازف الناي) فبدأ يقصُب (يعزف له) إلى أن اهتاج بكير، فقال قصيدته الشهيرة في رثاء إبنه حسن، ومطلعها:
|
سَرَى البَرْقْ وْعَيِني تْخَيّلَهْ
|
|
مِنْ فَوقْ بَحْرْ لاَ يْسَنْ
|
وهي قصيدة سيأتي الكلام عنها في موضعه فنحن هنا نتتبع ردات فعل بكير وارتجالاته بعيداً عن طقوسه الليلية وتهييج النايات لمخيلته وأحاسيسه.
(4)
ذهب بكير إلى أحد المشايخ للنزول في ضيافته ، وكان إقباله أول طلوع الشمس على غفلة من أهل البيت، فوجد عبداً أسود ينخز ثديي ابنة الشيخ بباكورة خيزارن فزجر بكير العبد الذي صرخ في وجه بكير بفعل المفاجأة ثم فرّ.. فيما بقيت الفتاة مبهوتة، فقال بكير:
|
قُلْتْ: جَوهْ، قَالْ: غَاقْ([27])
|
|
عَبْدُ اسْوَدْ مْبَرْشَمُ([28])
|
|
ثُمَهْ كْمِثْلَ امْغِمَاقْ([29])
|
|
بَرّهْ عَلى امْنِجِيْلْ يَتْنَقّمَهْ([30])
|
|
شَلّ امْحِذَاقْ امْحِذَاقْ([31])
|
(5)
كانت العقيمة أرضاً لسادة المنيرة في وادي سردد.. وكانت العادة أن يأتي الناس من مناطق الجدب إلى مناطق الخير والخضار (الجهات التي أصابها المطر واخضرت) معزبين بمواشيهم ليتخضروا (يعملوا ويأكلوا هم ومواشيهم) فجاء ناس إلى أرض العقيمة متخضرين وكان معهم فتاة بالغة الجمال.. وكان ابن المنصب الذي يمتلك الأرض عاشقاً للنساء .. فكان يحوم حول الفتاة يريد الوصول إليها قبل أن يشُدّ (يرحل) بها أهلها، وبطول المداومة على الدوران حولها استمالها واستطاع اللقاء بها ونيل غرضه منها.. وكان ذلك في نهاية يوم من أواخر أيام موسم الحصاد، ثم ركب حصانه ورجع إلى المنيره، وفي صباح اليوم الثاني جهزّ نفسه وعاد إلى حيث المحبوبة فوجدها وأهلها قد شدوا راحلين، فوقف في حالٍ من الشَّجن والهيام لا حد له، وصادف ذلك الوقت مرور بكير، وكان من عادة أهل المنيرة الاحتفاء الكبير به، ولكنّه وجد ذلك الشاب في حزنٍ يشغله عن مجرد الإلتفات إليه، ناهيك عن الاحتفاء به، وقبل أن يفكر بكير في سر تجاهل الفتى لوصوله انكشف الحال له، فقال يخاطب الشاب:
|
وابْنِي عَلىَ مِهْ مَهَمّرُ( |

























