Yahoo!

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة الثانية عشرة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 15:26 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة الثانية عشرة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (16010) بتاريخ الخميس  11 سبتمبر  2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

البكيرية : أو الشعر في فضاءاته السحرية

المواقف الحادة أيضاً تتمثل في تصدي بكير لشعراء آخرين من معاصريه خاصة حين لا يلتزمون حدودهم معه أو يبدو منهم بعض التعدي –في نظر بكير- على مكانته واحترام تفوقه عليهم.

-1-

قيل إن بكير دعي إلى سارية في الحوية (قرية من القرى الواقعة في آثار مدينة المهجم التاريخية في حازة صليل شرقي الزيدية، على الجهة الشمالية من وادي سردود) فوجد الشاعر سعيد اعمى مسرياً، فاستاء بكير لافتتاح سعيد اعمى الليلة قبله، فبادره قائلاً: 

يَاعَبْدْ ظَهَرَنْ خِيَانْتَكْ([1])

شَابِيْعَكْ أنَا وَشَسْتلَمْ رُبِّيْتَكْ([2])

انا مَاشَاشْ كَسْبْ مَبْغَالْ([3])

فقفز سعيد اعمى من مكانه وارتمى على قدمي بكير وهو يقول:

سيدي مْبَارِكْ انَا فِي ذِمّتَكْ([4])

عَدَّ امْقُرْقَعَهْ وِابِنْ جَارِيْتَكْ([5])

شَادِمّ في ارْبَعَهْ شْغَالْ([6])

(2)

حدثت سارية في دير ذيبين في خبت صليل وطلب بكير لتلك السارية وعندما جاء وجد شاعراً آخر قد بدأ الليلة وكان يقول: 

أنَا بِلادي حِزَّ امْعَالْيَهْ([7])

لَهَبَيْتْ ذَنَا شَاجْبِهْ([8])

تَمْسي لَكَاذي غْرَسُ([9])

فقال له بكير وقد غاضه بدؤه السارية قبله:

انْتَهْ بِلادَكْ امْكُوْشِيَهْ([10])

لَهَبَيْتْ ذَنَا شَاجْبِهْ

تُهُبّ عَلاَهَا امْسَافِيِهْ([11])

تَمْسي مَعَاكْ فَاحِسُ([12])

أنَا اللِّي بِلادي حِزَّ امْعَالْيِهْ

فِيهَا كُبَيْشْ مَتْقَوّسُ([13])

لَهَبَيْتْ ذَنَا شَاجْبِهْ

تَمْسي لَكَاذي غْرَسُ

(3)

ذهبت ابنة امبارك بكير ذات يوم تزوّد([14]) أخاها حسن الذي كان يضمد([15]) أرضاً له .. فوجدته قد وضع قطب المنهر([16]) في جبهته حتى ابتل المنهر بالدم .. فعادت وأخبرت أباها. ففهم أن ابنه يريد أن يقول الشعر..

وكان بكير على عادة كل أصحاب المواهب الروحية في البلاد -خاصة في تهامة-لا يريد لأحد من أولاده أن ينافسه في حياته على مجاله (قدراته ومواهبه) فهذا في عرفهم جريرة كبيرة يرتكبها الإبن، فليس مسموحاً للإبن أو الإبنة أو الحفيد أو الحفيدة أو أياً من الأقارب أو الأصدقاء عند هذا النوع من الشعراء (بكير والرامي) وأبنائه وكذلك عند المزورين (أهل الزار) امساوى مثلاً وأبنائه والمبدبدين (المختصون بإخراج البداة من الناس ممن أصابتهم عيونهن) حيث لا يرث أحد ممن ذكرنا صاحب الموهبة والقدرات الروحية الخارقة في مثل هذه الأشياء أو لا تظهر عليهم هذه المواهب والخوارق إلا بعد موته، شرط أن تحصل للوارث إشارة –كلامية-أو تصرف (كأن يبصق في يده) أو يموت وهو راض عن الوارث أياً كان ذلك الوارث قريباً أو بعيداً، فلم يورث بكير قدراته الشعرية والروحية الخارقة لأي من أهله أو أهل قريته (الخلعية) أو أهل منطقته (القناوص) أو أهل قبيلته (صليل) بل ورثها لشخص من مديرية السخنة بلاد الرامية اسمه محمد أحمد الرامي وكان توريثه له بعد موته، قيل: إن الرامي نام ليلة على قبر بكير فنبه عليه بكير (أشار عليه إشارة منامية) بانتقال مواهبه إليه وبأنه تنبأ له بذلك قبل موته، فكان الرامي دائماً يقول:

بْكَيْرْ الأبّ وانَا الإبنْ لَهْ

مَا مَاتْ لاكِدْ زْكَنْ([17])

صدم بكير بخبر ابنه الذي نقلته إليه ابنته فذهب من فوره ليراه وعندما وصل إليه وجده فعلاً كما قالت أخته، بل إن بعض الرواة ليقول إنه وجد الدم قد تحدر من جبهته حتى تجمع أسفل المنهر في الأرض (هبا حُقْلَهْ) أي: شكل عقماً صغيراً من الدم.

فقال يخاطبه: ما قال .. ما قال..

وهي العبارة نفسها التي تقال لبكير كي يقول([18]):

فقال الإبن:

سَرَى البَرْقْ وْعَيْني تْخَيّلَهْ([19])

مِنْ فَوقْ وادي الرَّقَعْ([20])

قال بكير: فيانه (وأين هو) وادي الرقع..؟

فقال الإبن:

مِنْ فَوقْ وادي سِتّنَا فَاطْمَهْ([21])

بْكَانْ مَا الشَّفَايِعْ تْقَعْ([22])

فدارت الدنيا ببكير إذ علم أن ابنه قد دخل في المحظور، وأن طقوس العقاب يجب أن تبدأ لكي يحافظ على عهده مع موهبته وفرادته أمام جمهوره، فوجود مشارك له فيما اختص به وحده حتى ولو كان المشارك ابنه .. يبدد الهالة الأسطورية التي تحيط به ويكسر الغموض الذي يغلف عالمه ويلعب بلا شك دوراً كبيراً في أسطرته، إضافة إلى كونه دافعاً أو محفزاً ومغرياً للناس، بالإضافة المستمرة إلى أسطورته من خلال المغذيات الحكائية التي تتكئ على بذخ المخيال الشعبي ومعطيات اللغة الشفاهية الأكثر تحرراً والأوسع حركة لم يتأخر بكير عن توجيه ضربته القاصمة إلى ابنه فقال:

ابْنِي حِتّكْ بْصَادِيَهْ([23])

الله لاَ حَطّيْتْ قَعْ([24])

فنقف (حل) حسن ثيرته (ثوريه) من الربقة والضماد (النير) وقادع (عاد إلى البيت)..

وعندما أوغل الليل.. بيّت (سرق) بنو قيس محل سويد (قرية تلتصق بقرية الخلعية التي منها بكير وقد كان يسكنهما معاً).. فخرج حسن مع الخارجين لملاحقة المبيتين فظلوا يطاردونهم حتى بلاد بني قيس .. (وهي بلاد تقع في أول الجبال شرق الخشم).. وهناك اختفى أثر السّراق، فاعتلى حسن ابن امبارك بكير حيداً([25]) يتشوّف منه([26]) فأصابته رصاصة فمات على قمة ذلك الحيد،وهذا معناه تحقق ما قاله بكير في البيت الذي هجاه به:

ابْنِي حِتّكْ بْصَادِيَهْ

الله لاَ حَطّيْتْ قَعْ

فقد مات حسن بصادية (رصاصة مجهولة المصدر) ولم يقع على القع (القاع/الأرض الواطئة) وإنما مات على قمة جبل (حيد مرتفع).

وإثر موته احتبس الكلام على بكير ولم يستطع أن يقول شيئاً، بل بقي كما يروى ثلاثة أيام لا يتكلم حتى جاءوا له بالقصاب (عازف الناي) فبدأ يقصُب (يعزف له) إلى أن اهتاج بكير، فقال قصيدته الشهيرة في رثاء إبنه حسن، ومطلعها:

سَرَى البَرْقْ وْعَيِني تْخَيّلَهْ

مِنْ فَوقْ بَحْرْ لاَ يْسَنْ

وهي قصيدة سيأتي الكلام عنها في موضعه فنحن هنا نتتبع ردات فعل بكير وارتجالاته بعيداً عن طقوسه الليلية وتهييج النايات لمخيلته وأحاسيسه.

(4)

ذهب بكير إلى أحد المشايخ للنزول في ضيافته ، وكان إقباله أول طلوع الشمس على غفلة من أهل البيت، فوجد عبداً أسود ينخز ثديي ابنة الشيخ بباكورة خيزارن فزجر بكير العبد الذي صرخ في وجه بكير بفعل المفاجأة ثم فرّ.. فيما بقيت الفتاة مبهوتة، فقال بكير:

قُلْتْ: جَوهْ، قَالْ: غَاقْ([27])

عَبْدُ اسْوَدْ مْبَرْشَمُ([28])

ثُمَهْ كْمِثْلَ امْغِمَاقْ([29])

بَرّهْ عَلى امْنِجِيْلْ يَتْنَقّمَهْ([30])

شَلّ امْحِذَاقْ امْحِذَاقْ([31])

(5)

كانت العقيمة أرضاً لسادة المنيرة في وادي سردد.. وكانت العادة أن يأتي الناس من مناطق الجدب إلى مناطق الخير والخضار (الجهات التي أصابها المطر واخضرت) معزبين بمواشيهم ليتخضروا (يعملوا ويأكلوا هم ومواشيهم) فجاء ناس إلى أرض العقيمة متخضرين وكان معهم فتاة بالغة الجمال.. وكان ابن المنصب الذي يمتلك الأرض عاشقاً للنساء .. فكان يحوم حول الفتاة يريد الوصول إليها قبل أن يشُدّ (يرحل) بها أهلها، وبطول المداومة على الدوران حولها استمالها واستطاع اللقاء بها ونيل غرضه منها.. وكان ذلك في نهاية يوم من أواخر أيام موسم الحصاد، ثم ركب حصانه ورجع إلى المنيره، وفي صباح اليوم الثاني جهزّ نفسه وعاد إلى حيث المحبوبة فوجدها وأهلها قد شدوا راحلين، فوقف في حالٍ من الشَّجن والهيام لا حد له، وصادف ذلك الوقت مرور بكير، وكان من عادة أهل المنيرة الاحتفاء الكبير به، ولكنّه وجد ذلك الشاب في حزنٍ يشغله عن مجرد الإلتفات إليه، ناهيك عن الاحتفاء به، وقبل أن يفكر بكير في سر تجاهل الفتى لوصوله انكشف الحال له، فقال يخاطب الشاب:

وابْنِي عَلىَ مِهْ مَهَمّرُ(

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحادية عشرة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 14:56 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة التاسعة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (15953) بتاريخ الأربعاء 16يوليو 2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

غرابة الشاعر في غرابة الزمان

يذكر كولن ولسن أن الإصابات أو الصدمات التي يتعرض لها بعض الأشخاص قد تتسبب بإطلاق قواهم النفسية بما يمكن تسميته بديلاً لنوع من فقدان الكفاءة العقلية السوية.. مستشهداً بحالة نقاش هولندي اسمه (بيتر درهورك) سقط من فوق سلمه وأصيبت جمجمته بكسر…. وعندما أفاق في المستشفى اكتشف أنه (يعرف) كل شيء عن زملائه المرضى  عن ماضيهم بل وعن مستقبلهم أيضاً.. هذه القدرة العجيبة لازمته وتحت اسم (بيتر هوركس) طارت شهرته بوصفه(مكشوف الحجاب) أو يرى ما وراء البصر و(متكهن نفسي) وكثيراً ما قام بمساعدة الشرطة في حل قضايا القتل، غير أنه في الأيام التي أعقبت الحادث الذي وقع له مباشرة وجد الحياة صعبة لأن قواه النفسية الجديدة جعلت من المستحيل عليه التركيز في الأعمال اليومية العادية…. وكان من الممكن أن يتضور جوعاً لولا أن اقترح عليه شخص ما أن يستغل قواه لكسب قوته بالظهور على المسرح.

من الصعب جداً أن نقرأ هذه القصة ولا نتذكر أن كل الحكايات التي فسرت بدايات بكير وتحوله من إنسان عادي إلى ما صار إليه تختلف في بعض التفاصيل ولكنها تتفق أن شيئاً ما (أكلاً،، شراباً) سبب له مرضاً فأثر عليه.. وعندما أفاق منه كان يرى ويعرف كل شيء،  على نحو ما أسلفنا إيراده في الفصلين السابقين وما سيتكرر وروده ومناقشته لاحقاً. في غير مكان من هذا الكتاب.

لنتذكر أن إحدى تلك الحكايات أخبرتنا أن بكيراً لم يكن قادراً على كسب رزقه قبل أن يلجأ إلى الشيخ الكميت… كما يجب أن نتذكر أن حالة الرامي تشبه حالة بكير في البدايات.. وأن سوداً أصابته شوكة في ظهره سببت له انتفاخاً وورماً لازمه حتى مماته ([1]) .. وأن الحمى التي أصابته إثر انغراز تلك الشوكة في فقرة من فقرات ظهره.. أطلقت..قدراته الشعرية ومعها قدراته على المعرفة والاستبصار والتنبؤ رغم عماه.

قطع

- يرى كولن ولسن –وهو غير بعيد عن الحقيقة- (أن العجز عن التركيز على الضروريات الكئيبة للوجود المادي يشمل كل الموهوبين الكبار في عالم الإبداع –خاصة أولئك الشعراء والفنانين الرومانسيين الذين ماتوا فقراً بسبب عدم القدرة على اكتساب العيش لأنهم مشغولون دائماً بالإبداع)

(انتهى  القطع).

إن كل ذلك يوحي مرة أخرى –حسب ولسن- بأن عقولنا تملك قوى خارقة لا يرى معظمنا سبباً لاستخدامها على الإطلاق.. لأن مشكلة البقاء تتطلب أن نمارس الحياة اليومية وننغمس فيها وأن نكون مقيدين بعالمنا اليومي الذي لولاه.. فلربما كنا جميعاً أطفالاً عباقرة حاسبين.. أو أصحاب شفافية نفسية، ومن المحتمل أن نكون جميعاً عباقرة من الأدباء والفنانين إضافة إلى ذلك كله.

إن تلك القدرات –كما جاء في تعليقه على شواهد أخرى أوردها-.. قوة حدس.. تقطع عمليات الفكر الروتينية وتثب مباشرة من المشكلة إلى الإجابة.

***

بَحْثُ كولن ولسن الشيق يصل ذروته تحت عنوان (المخ المنقسم) إذ يورد ما يسميه كشفاً حديثاً في فسيولوجيا  المخ…. وهو التميز الذي اهتدى إليه (ر. دابليو سبيري): بأننا ننقسم بالفعل إلى شخصين يعيشان داخل رؤوسنا في النصفين الكرويين الأيمن والأيسر من المخ.

الأيمن: يختص بالتمييز والتعرف والتذوق (الفني مثلاً).

الأيسر: يختص باللغة والمنطق والعقل.

الأيمن: فنان.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة العاشرة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 14:49 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة العاشرة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (15966) بتاريخ الثلاثاء 29يوليو 2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

البكيرية : أو الشعر في فضاءاته السحرية

(1)

يمكن أن نقرأ في ما حدث لبكير بعد حوالة الشيخ سود له .. وما جرى له حتى أسفر حاله عن تفجر  شعري غير طبيعي .. على أنه انقلاب أصاب شخصيته .. والانقلاب في المصطلح الأدبي تبدلٌ مفاجئ ومصيري .. أو تطوّر نفسي للشخصية يؤدي إلى اتخاذ هذه الشخصية. توجهات حياتية أو إبداعية غير منتظرة .. ([1])

لقد تحول بكير بعد تلك الحادثة إلى شاعر.. وليس أي شاعر .. بل هو شاعر غير عادي شاعر يحسب الناس ألف حساب لكل كلمة يقولها .. ليس لجمالها العجيب الذي يأخذ بالألباب فحسب، بل لما فيها من إضافات إلى وجدان الناس من جهة وما فيها من تنبؤات وكشوفات .. يؤمن الناس بها ويترصدونها ويطلبونها أيضاً .. في مجتمع تفرض ظروفه وأميته وتقاليده .. عليه أن يعتمد في تحصيل معارفه وتفسير كثير مما يحدث من حوله والتعامل مع مجريات الحياة اليومية.. وما تخبؤه الأيام .. من خلال كلام هذا الشاعر وأمثاله .

لقد كان بكير في أكثر ما يروى عنه يهيء نفسه للشعر سواء في السواري .. العادية أو المواقف التي تستدعي القول .. بعزف مخصوص على القصبة يعزف له ..

وكان الناس يتحلقون حوله .. فيما يدور هو حول القصاب  أو يدور في المكان متكأً على عصا .. أو يدور على عمود كبير من الخشب مغروس في الأرض إن كان في مخدرة أو  يدور حول جذع شجرة ..

وتذكر الروايات حالات من الانفعالات كانت تنتابه حين يقول.. منها أنه كان بين الفينة والأخرى (يتبردق) أي يتناول البردقان (الشمة) . .

وقريباً من هذه اللوازم والطقوس .. ما ورثه امحمد رامي من بكير وورثه عنه ابنه ثم حفيده .. محمد يحيى شاعر الرامي الذي رأيته بنفسي مساء الأربعاء 5/3/2008م بالمركز الثقافي بالحديدة.

والرامي لا يغني إلا في زيارات الأولياء والأعراس ويرفض الغناء في المقايل .. وأثناء الغناء يقف على قدميه يغني من بداية السارية إلى آخرها .. ويقول الشعر  ارتجالاً ولا يتوقف عن الغناء إلا لشرب القهوة أو تناول الشمة .. ويدور ويزفر ويبصق ويغرز أصابعه في شعر رأسه ويشمها ويرتعد جسده وترتعش أطرافه بشدة.. فيما القصاب يقصب له .. (كثيراً ما يتناوب على العزف له خمسة قصابين) ولكنه كان تلك الليلة بقصاب واحد.

فهل تفجرت موهبة بكير .. وتفتق ذهنه في نفس الوقت عن اختيار  الطريقة التي يغني بها والطقوسُ التي يمر من خلالها غناؤه..؟

هل اعتمد بكير تلك الطريقة التي وصفناها .. من عزف على الناي يعزف له .. ثم تلك اللوازم الصوتية (الملالاة) والحركية (الدوران) والانفعالات .والنفخ والتشمم والبصق .. والوقوف متكئاً  على العصا أو الإمساك بسارية.. أو جذع شجرة أو فرعها ..؟).

هل ولد شعر بكير على  ذلك النحو الأسطوري واستحدثت له في نفس الوقت تلك التقاليد الطقوسية  العجيبة..؟

هل كانت طقوس بكير الغرائبية نهجاً اتخذه لنفسه بوعي أو بدون وعي لتحقيق ما يريده إبداعياً ..؟

أم أنها كانت تقاليد  تكونت عبر أزمنة متلاحقة وترسخت حتى صارت ميزة عضوية  في هذا الإنتاج  الإبداعي .. يمتثل  لها المبدعون  ويتقيدون بها .. حتى صارت عند بكير وأمثاله .. مُعِيْناً على الخروج من العالم المحسوس.. والتخلص من مادية أجسادهم .. منخطفين تماماً لأجل تحقيق أثر إبداعي أصيل يأخذ بالألباب ويسلب العقول؟

إحدى الحكايات  عن بداية بكير الشعرية .. وقد أوردناها في أحد هوامش الفصل الأول من هذا الكتاب وهي تختلف عن الحكايات الثلاث التي أوردناها تباعاً في متن ذلك الفصل. وهي الحكايات التي ارتكزت عليها الكتابة عن أسطورة بكير مرجعياتها ونظائرها..

هذه الحكاية وإن كانت أقل شيوعاً وشهرة عنهما.. إلا أنها مثلهما في أسطوريتها وهي رغم موقعها الغامض بين الذاتي والشيطاني فإن ميزتها تكمن في أنها تؤشر على أن ارتباط بكير منذ البداية بتلك الطقوس لم يكن من اختراعه ولكنه كان وارثاً له:

- رأى بكير نبهة في المنام .. كأن شخصاً يقول له: كرامتك في جبل جُدع .. فاستيقظ ..  يتعوذ من الشيطان ثم عاد فنام..

وفي الليلة الثانية .. حدث نفس الشيء .. نبهه شخصُ ما في منامه قائلاً له: كرامتك في جبل جدع .. فاستيقظ يتعوذ من الشيطان وعاد إلى نومه، وفي الليلة الثالثة حدثت نفس النبهة فاستيقظ بكير وتوجه على الفور من الخلعية  إلى جبل جدع .. وهو جبل يقع إلى الجنوب من جبل الملح شمال شرق الخوبة على خط الخوبة – الزهرة- فلما وصل إلى هناك ذهب إلى الجانب الأيمن من الجبل في مكان جيد للاستراحة والاستلقاء وهو لا يعرف ما هي الكرامة التي تنتظره .. فهجم عليه النوم .. فنام حتى أيقظه حس شيء بجواره، فنهض فإذا هي عنز من الماعز تذعر (تثغو) فقام إليها وأمسك بها وجعل يتحسس بيده ظهرها .. ثم نظر إلى شقيها فرآهما كبيرين وممتلئين باللبن. وكان قد مسه الجوع .. فطفق يحلب منهما في فمه حتى شبع وارتوى ولكنه لم يأت  على ما في ضرعيها كله.. ثم تركها وعاد إلى موضع نومه.. فجلس ينظر إليها .. فإذا بها تتحول إلى امرأة .. وفي خضم دهشته وفزعه لما حدث .. قالت له: والله لو أنك شربت حليبي كله .. لكانت أضلعك تتكلم معك  حينما تتكلم .. ثم اختفت وعاد بكير إلى الخلعية فمرض سنة .. لا  يتكلم حتى يئسوا منه .. ثم إنه أصبح يشير بأصابعه أمام شفتيه إشارة يفهم منها أنه يطلب قصاباً فجيء له بالقصابين أبكر جمعان عبد بني المكين . ودريب العطوي صاحب دير الربيدي..

وما أن ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة التاسعة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 14:29 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة التاسعة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (15953) بتاريخ الأربعاء 16يوليو 2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

غرابة الشاعر في غرابة الزمان

يذكر كولن ولسن أن الإصابات أو الصدمات التي يتعرض لها بعض الأشخاص قد تتسبب بإطلاق قواهم النفسية بما يمكن تسميته بديلاً لنوع من فقدان الكفاءة العقلية السوية.. مستشهداً بحالة نقاش هولندي اسمه (بيتر درهورك) سقط من فوق سلمه وأصيبت جمجمته بكسر…. وعندما أفاق في المستشفى اكتشف أنه (يعرف) كل شيء عن زملائه المرضى  عن ماضيهم بل وعن مستقبلهم أيضاً.. هذه القدرة العجيبة لازمته وتحت اسم (بيتر هوركس) طارت شهرته بوصفه(مكشوف الحجاب) أو يرى ما وراء البصر و(متكهن نفسي) وكثيراً ما قام بمساعدة الشرطة في حل قضايا القتل، غير أنه في الأيام التي أعقبت الحادث الذي وقع له مباشرة وجد الحياة صعبة لأن قواه النفسية الجديدة جعلت من المستحيل عليه التركيز في الأعمال اليومية العادية…. وكان من الممكن أن يتضور جوعاً لولا أن اقترح عليه شخص ما أن يستغل قواه لكسب قوته بالظهور على المسرح.

من الصعب جداً أن نقرأ هذه القصة ولا نتذكر أن كل الحكايات التي فسرت بدايات بكير وتحوله من إنسان عادي إلى ما صار إليه تختلف في بعض التفاصيل ولكنها تتفق أن شيئاً ما (أكلاً،، شراباً) سبب له مرضاً فأثر عليه.. وعندما أفاق منه كان يرى ويعرف كل شيء،  على نحو ما أسلفنا إيراده في الفصلين السابقين وما سيتكرر وروده ومناقشته لاحقاً. في غير مكان من هذا الكتاب.

لنتذكر أن إحدى تلك الحكايات أخبرتنا أن بكيراً لم يكن قادراً على كسب رزقه قبل أن يلجأ إلى الشيخ الكميت… كما يجب أن نتذكر أن حالة الرامي تشبه حالة بكير في البدايات.. وأن سوداً أصابته شوكة في ظهره سببت له انتفاخاً وورماً لازمه حتى مماته ([1]) .. وأن الحمى التي أصابته إثر انغراز تلك الشوكة في فقرة من فقرات ظهره.. أطلقت..قدراته الشعرية ومعها قدراته على المعرفة والاستبصار والتنبؤ رغم عماه.

قطع

- يرى كولن ولسن –وهو غير بعيد عن الحقيقة- (أن العجز عن التركيز على الضروريات الكئيبة للوجود المادي يشمل كل الموهوبين الكبار في عالم الإبداع –خاصة أولئك الشعراء والفنانين الرومانسيين الذين ماتوا فقراً بسبب عدم القدرة على اكتساب العيش لأنهم مشغولون دائماً بالإبداع)

(انتهى  القطع).

إن كل ذلك يوحي مرة أخرى –حسب ولسن- بأن عقولنا تملك قوى خارقة لا يرى معظمنا سبباً لاستخدامها على الإطلاق.. لأن مشكلة البقاء تتطلب أن نمارس الحياة اليومية وننغمس فيها وأن نكون مقيدين بعالمنا اليومي الذي لولاه.. فلربما كنا جميعاً أطفالاً عباقرة حاسبين.. أو أصحاب شفافية نفسية، ومن المحتمل أن نكون جميعاً عباقرة من الأدباء والفنانين إضافة إلى ذلك كله.

إن تلك القدرات –كما جاء في تعليقه على شواهد أخرى أوردها-.. قوة حدس.. تقطع عمليات الفكر الروتينية وتثب مباشرة من المشكلة إلى الإجابة.

***

بَحْثُ كولن ولسن الشيق يصل ذروته تحت عنوان (المخ المنقسم) إذ يورد ما يسميه كشفاً حديثاً في فسيولوجيا  المخ…. وهو التميز الذي اهتدى إليه (ر. دابليو سبيري): بأننا ننقسم بالفعل إلى شخصين يعيشان داخل رؤوسنا في النصفين الكرويين الأيمن والأيسر من المخ.

الأيمن: يختص بالتمييز والتعرف والتذوق (الفني مثلاً).

الأيسر: يختص باللغة والمنطق والعقل.

الأيمن: فنان.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة الثامنة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 14:25 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة الثامنة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (15952) بتاريخ الثلاثاء 15يوليو 2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

غرابة الشاعر في غرابة الزمان

في الفصل السابع من فصول كتاب (فكرة الزمان عبر التاريخ)([1]) 

يقدم الكاتب الإنجليزي الشهير(كولن ولسن) فصلاً رائعاً عنوانه: (الزمان نهباً للفوضى) يتناول فيه قضايا الاستبصار والحدس والتكهن والتنبؤ من وجهات نظر مختلفة… (علمية وتجارب ذاتية)..مع سيل من القصص والأمثلة والاستدلالات المدعومة بالتحليل والمعرفة والتأملات.. وفلسفة المواقف والحالات، وهو فصل يصلح أن نقرأه فيما نحن نناقش أسطورة بكير وغرابته كشاعر.

يتخذ (كولن ولسن) من عبارة (غرابة الزمان التي  لا ريب فيها) التي أوردها الأستاذ /جود (الفيلسوف والمفكر الإنجليزي الشهير)في كتابه (دليل الفكر الحديث) مدخلاً حاراً له إلى هذا الموضوع.

كان الأستاذ/ جود يتحدث عن حالة سيدتين إنجليزيتين كانتا في فرساي سنة 1901م، وانتابهما شعور واضح بـ(فلتة من الزمان) فألفيتا نفسيهما وقد رجعتا إلى فرساي عام1789م، قبل سقوط الملك بالضبط، شعرت كل من المرأتين بالاكتئاب، وعانت كل منهما إحساساً شبيها بالحلم، غير أن ما من واحدة منهما أدركت أن شيئاً غير مألوف قد حدث حتى قارنتا ذاكرتهما فيما بعد، وقررتا أن من الغرابة نوعاً ما أن منتزه التريانون، كان ذلك الأصيل غاصاً بأناس يرتدون ملابس ذلك العصر … (عصر ما قبل الثورة الفرنسية مباشرةً).. وأثار كتابهما (مغامرة)-  الصادر عام 1911م- اهتماماً واسع النطاق؛ لأنه كان من الجلي أن هاتين السيدتين –وكانتا مديرتين في إحدى كليات أكسفورد تتمتعان بحصافة وسلامة عقل لا يرقى إليهما الشك) ص285.

هذا الحضور للماضي -أو بعبارة الترجمة الواردة في الكتاب (الوجود الحاضر للماضي)- حسب تسمية الأستاذ/ جود، الذي لم يفسره في حينه.. يجد كولن ولسن ضالته لتفسيره في اقتراحات وضعها الدكتور/ جوزيف بوكانان (أستاذ الطب )عند منتصف القرن التاسع عشر مؤداها أن كل الأشياء الفيزيائية  تحمل تاريخها مطبوعاً فيها على نحو ما…وبأن هذا التاريخ يمكن أن يقرأه شخص يتمتع بالحساسية الكافية لالتقاط الذبذبات… وقد أطلق الدكتور جوزيف بوكانان على هذا الاستعداد  كلمة (التكهن النفسي) وقد صارت هذه الكلمة مصطلحاً من مصطلحات البحث في الظواهر النفسية فوق العادية أي الحالات التي تشبه حالة بكير وأمثاله في جميعها أو في كثير من جوانبها.

ويدخل في هذا الباب أولئك الأشخاص القادرون على قراءة تاريخ الصخور.. والقادرون على تحديد أماكن المياه الجوفية (من مثل ما اشتهر قبل سنوات عن شخص في تعز كان يرى المياه الجوفية ويدل الناس على أماكن وفرتها في باطن الأرض).

بعض التجارب التي يستعرضها كولن ولسن، كان قد قام بها (وليم دنتون)أستاذ الجيولوجيا بجامعة بوسطن على شخص ذي قدرات خارقة، حين كان لا يطلب من ذلك الشخص قراءة تاريخ الصخور المختلفة فحسب… بل يطلب منه ذلك وهي ملفوفة في أوراق بنية اللون.. حيث يصفها وصفاً تفصيلياً…جعل أستاذ الجيولوجيا (دينتون) يعرب عن اقتناعه بأن هذه الملكة يمكن أن تكون ذات يوم بمثابة تلسكوب نستطيع بواسطته رؤية الماضي وهي تجارب تشبه حالات بكير في فتوى( الطيب المطحون لأصحاب زبيد) وكشف الطريقة التي قتل بها امدخن، وكشف حال وأوضاع بيت أو أسرة القائد التركي في اسطنبول(عيني، تخيل، ماطر من فوق دمشق العراق) وغيرها.

تلك الحالات والتجارب كان ولسن يعقب –دائماً- بعد سردها بالموافقة مؤكداً على وجود شواهد من هذا النوع كثيرة مقنعة.

ولكنه يرى أن المثير أكثر هو القدرة  على رؤية المستقبل والتنبؤ بحوادثه ومجرياته، وفي هذا السياق يذكر أنه في سنة 1976 قدم برنامجاً تلفزيونياً في البرنامج الثاني من هيئة  الإذاعة البريطانية عن (جون كودلي) المتميز بقدرات خارقة والمشهور فيما بعد بـ (لورد كلبراكن) الذي اعتاد وه

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير … شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة السابعة)

كتبها Maureen Maureen ، في 3 ديسمبر 2009 الساعة: 14:15 م

بكير … شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية… مرجعياتها ونظائرها)

الحلقة السابعة

نشرت في صحيفة الثورة، العدد (15938) بتاريخ الثلاثاء 1يوليو 2008م

 

علوان مهدي الجيلاني

لقد كان ذلك الاستطراد الطويل للتدليل على أن روح العصر وثقافته وميول الناس فيه إلى منحىً يشكل عندهم حالة عامة وهاجساً يلحون عليه هو ما كثَّر الكهان والشعراء قبل البعثة النبوية بل لا نبعد إن قلنا أنه كثَّر السحرة أيضاً بدليل أن الآيات القرآنية التي تذكر اتهام قريش للنبي بالسحر وتفسر حالته به أكثر بكثير من مجموع الآيات التي تتهمه بالشعر والكهانة مجتمعين وتفسر حالته بهما، ولكن إذا كان استدعاء تلك الأشباه والنظائر مقصوداً منه إثبات أن حالة بكير الشعرية وقدرته على الفتوى (التنبؤ والكشف) إنما يمتد في جانبه الشعري من حالة رواج الشعراء المغنين في تلك الفترة كما يمتد في جانبه التنبؤئي والكشفي من الحالة الصوفية العامة التي كان يعيشها المجتمع في ذلك الوقت والتي سبق تناولها بما يكفي كما أظن. فإن موضوعة السحر ستبدو للقارئ مقحمة في هذا السياق لأن بكيراً لم يكن وفق ما يفهم الناس السحر في مجتمعنا-غالباً-رجلاً ساحراً.. من حيث ارتباط السحر بالتعاويذ والطلاسم وصنوف الخداع إلا أن مفاهيم السحر عند الأولين كما سنوردها بعد قليل ستجعل استدعاء موضوعة السحر هنا منسجمة مع السياق ولا غبار عليها لارتباطها بجانب هو الأكثر غرابة وإثارة للجدل في الحديث عن بكير ذلك أن من يسمع أو يقرأ عن حياته يشعر بالصدمة القوية إزاء حوادث الموت الذي كان يصيب معظم من قال فيهن شعره. وإذا كانت معظم التفسيرات تذهب بنا إلى أن الرجل كان عيّاناً فإن الكلام عن العين واللفظ المصاحب لها.. لا يبتعد كثيراً عن مفهوم الأولين عن السحر الذي قسمه أبو حيان التوحيدي.. في (الإمتاع والمؤانسة) على هذا النحو:

قال أبو سليمان: السحر بالقول الأعم والرسم المفيد على أربعة أضرب:

سحرٌ عقلي: وهو ما يبدر من الكلام المشتمل على غريب المعنى في أي فن كان.

وسحر طبيعي: وهو ما يظهر من آثار الطبيعة في العناصر المتهيئة والمواد المستجيبة.

وسحر صناعي: وهو ما يوجد بخفة الحركات المباشرة… وتصريفها في الوجود الخفي عن الأبصار المحدقة.

وسحرٌ إلهي: وهو ما يبدو من الأنفس الكريمة الطاهرة باللفظ مرة وبالفعل مرة.

وعرض كل واحد من هذه الضروب واسع.. وكل حذق ومهارة وبلوغ قاصية في كل أمر هو سحر وصاحبه ساحر([1]).

وهو يورد في (البصائر والذخائر): قال بعض الفلافسة: إن للنفس كلمات روحانية من جنس ذاتها)([2]) .

ويورد بهاء الدين العاملي في كشكوله: (ولما جهلت أسباب السحر لحقائقها وتزاحمت به الظنون اختلفت الطرق إليها. فطريق الهند تصفية النفس وتجريدها عن الشواغل البدنية بقدر الطاقة البشرية؛ لأنهم يرون أن تلك الآثار إنما تصدر عن النفس البشرية.

ومتأخرو الفلاسفة يرون رأي الهند… وطائفة من الأتراك تعمل بعملهم أيضاً.

وطريق النبط عمل أشياء مناسبة للغرض المطلوب مضافة إلى رقية ودخنة بعزيمة في وقت مختار) ([3]).

وبما أن ما كان يصدر عن بكير من قدرات خارقة تقوم بها عيناه للتأثير على الأجسام والأرواح لم يكن له صلة بعمل السحر الذي يتبادر إلى الذهن حين يذكر السحر بما هو علم مخصوص وإنما له صلة أكيدة بالعين أو النفس فإننا سنحصر محاولة قراءة هذه القدرة في ثقافة هذا الجانب ومرجعياته ومحاولة تفسيره.

جاء في العباب الزاخر: (مادة نَفَسَ) أن العين هي النفس يقال أصابت فلان نَفْسٌ وَنَفَسْتُكَ بِنَفْسٍ أي أصبتك بعين والنافس العائن.

ولقد كانت العرب قديماً تفعل كما يفعل بعض الناس عندنا اليوم فيحاول الواحد منهم عن طريق اللفظ المصاحب للعين أن يصيب المعيون، إلا أن القدماء زيادةً على ذلك كانوا يعملون بعض الرياضات ذكر صاحب تاج العروس في مادة (زلق) أن بعض المفسرين كانوا يفسرون قوله تعالى: (وإن كادوا ليزلقونك بأبصارهم) أي: يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن المعين، ثم يضيف قال الفراء: وكانت العرب إذا أراد أحدهم أن يعتان المال يجوع ثلاثاً ثم تعرض لذلك المال فقال: تالله ما رأيت مالاً أكثر ولا أحسن فيتساقط.

ولعل ذلك من اعتقاد لا يزال سائداً عندنا إلى اليوم فسببه يتمرجع في ثقافة الجوع التي تنتج عن كون المتنعم نادراً والجائع هو الغالبية، فلذلك ضل الناس يخشون عيون الجائعين.

العائن قد يقصد الضرر وقد لا يقصده.. وهناك من العائنين من كان يتعمد الضرر فكان يتعيَّد أي يتشهق أثناء إصابته لشخص آخر بالعين ليبالغ في إصابته ولعل التشهق والتعيد والتشوه هو ما جعل العائن في بعض مناطق تهامة يسمى (كراش). فإن من معاني هذه اللفظة كما جاء في تاج العروس: تقبض وقطب وعبس.

كما قلنا العائن لا يقصد الضرر دائماً… فهو مرات كثيرة معجب.. وإذ كان العرب القدماء يركزون أكثر على التعيُّد والتشوّه والتجوّع ليكون فعل عينهم أقوى فإن الناس في مجتمعنا-خاصة في تهامة- ركزوا أكثر على براعة الجملة.. من حيث التشبيه والاستعارة.. وما شابههما ومن حيث.. النبرة وطريقة الأداء.. فغالباً ما يبدأ العائن (الكرَّاش/ المرَّاع) جملته بـ (آآآعَّ) أو (آو) أ (وه) أو غيرها كما في هذه النماذج:

- أراد أهل دير أبكر استبدال جلب الماء بالدلاء من البئر بموتور حديث يركب على البئر وتمد منها المواسير  إلى البيوت .. ثم تبين لهم أن البئر التي ينزعون منها الماء .. لا تصلح لذلك وأن بئراً قديمة قد تعطلت وعميت منذ زمن هي الأصلح. فأخذوا يحفرونها  بالحفار ثم بدأوا ينزلون المواسير ويركبون المضخات، وفيما هم في ذلك العمل جاء أحد المعمرين واسمه جبور وهو كرَّاش مدهش فقال: وه بعد أن قطعت الحيض والبيض تريدونها أن تحبل وتلد .. فانكسرت ماسورة من المواسير في البئر وسقطت المضخات إلى أسفل .. وكلف ذلك أهل الدير خسارة مقدارها مائة وأربعون ألف ريال بأسعار الثمانينيات.

-2-

أصاب الخير منطقة القناوص.. فخيَّر زرعها حتى أعجب الناس، ومرّ (يحيى) على زهب([4]) لابن عمه .. مزروعة بالذرة الحمراء .. وقد أثقلتها ثمرة عذوقها حتى مال كل عود بعذقه.. ولم يعد يقدر على حمله..

فقال (يحيى) لصاحبه: آآآعْ حدهاكا امجور مديعه تكي بكا([5])

فما هي إلاّ دقائق حتى قام إعصار وقصد ذلك الزهب دون غيره .. فحبكه حبكاً..

وحرم صاحبها طعامها وعجورها.

-3-

كان يحيى علي يتغدى مع أبيه وكان الغداء (عيش حالي مفتوت باللبن) وهي الأكلة المشهورة في تهامة (من الدخن أو الذرة) التي يأكلها الناس ترفاً([6]) سريعاً بالأيدي وهي ساخنة.. وقام الأب عن الصحن .. ولكنه قبل أن يغسل يده شعر أنه لم يشبع فعاد .. وأخذ ترفة .. فقال له ابنه يحيى:

هذه سجدة السهو

فسقط الأب على الصحن..

-4-

كان لإحدى النساء بقرة جيدة الطباع لا تنطح ولا ترفس .. وهي إلى ذلك وافرة الحليب وحدث أن أطلت([7]) تلك البقرة.. فجاءت بعجل سمين.. ملأ عين الجار الذي لم يستطع إلجام نفسه فقال لها:

مبروك عليك امقاري([8])

وبعد قليل جاءت لتحلب البقرة.. فرفستها في بطنها .. ولم ينقذها من الموت إلا لطف الله بعد عملية جراحية أجريت لها لعلاج ما فعلته بها البقرة..

-5-

كان أحدهم خيالاً من الدرجة الأولى وهو من قرية الحدادية .. وكان أنيقاً وسيماً، وحدث مرة أن تعمم بشال أحمر له ذؤابة -من خلف- وربط وسطه بشال أخضر ثم خاض سباقاً على الخيل.. وكعادته سبق  الآخرين.. ورأى أحد المتفرجين الرجل وقد تبعه ثلاثة ذيول ذيل الحصان.. وذيل الشال الأخضر الذي ربط به وسطه.. وذؤابة العمامة التي على رأسه.. فقال:

ما يلحِّقْهم به وقد قوَّس مثل كبيش عنتر([9])

  ولم يكد يكمل جملته حتى قفز المهر بالخيال زبيراً([10]) كبيراً وكانت القفزة مفاجئة انكسرت إثرها فقرة من فقرات ظهره.. فلم يعد بعدها يصلح لركوب الخيل.

-6-

رأى جباح كلباً وقد رفع رجله يقزح (يبول) على إطار سيارة فقال له: عبيه اربعين .. فسقط الكلب ميتاً.

* * *

إن غرابة القول في النماذج السابقة تعمل تماماً نصف ما تعمله العين.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سود معمى أو الغناء بضمير الجماعة

كتبها Maureen Maureen ، في 1 ديسمبر 2009 الساعة: 18:51 م

ذاكرة شعبية

سود معمى  أو  الغناء بضمير الجماعة

الحلقة الرابعة

صحيفة الثورة،  بتاريخ الجمعة 13 نوفمبر 2009م

 

علوان مهدي الجيلاني

الفرجة في قرى تهامة قديماً:

ولسود أشعار كثيرة قالها في مناسبات كثيرة سواء كانت تلك المناسبات (سواري) جمع سارية، أي سمرة، وكان الناس في ذلك الزمن الذي لا مذياع فيه ولا تلفاز يجدون متنفسهم ويشبعون حاجتهم إلى الفن والإبداع الذي يعبر عن خوالجهم وينفسون من خلاله عن مكنونات نفوسهم من خلال شعر سود معمى وأمثاله من الشعراء والفنانين الذين يخرجون من غمار الناس ويختصرون أجمل إبداعات المجتمع في شخوصهم.

هكذا كانت القرية من قرى تهامة تشهد على مدار أيام الأسبوع إضافة إلى المناسبات المتعددة في فصول السنة المختلفة عروضاً فنية لا تنقطع([1]).

كما قلت كان سود يقول شعره من  خلال السواري أو السمرات أو الأعراس (المحاضر) والختانات وكذلك في بيوت الميسورين الذين يستضيفونه ويجتمع الناس عليه عندهم، أو في مناسبات القول المرتجلة التي يستدعيها تحد أو استفتاء، فمن الأشياء المعروفة عن الشعراء الشعبيين أنهم كانوا يدخلون في منافسات،يتسابقون من خلالها على الإجادة القولية، التي تؤدي بهم أحياناً إلى المهاجاة، وهو أسلوب يمتد من أساليب شعراء النقائض في تراث الشعر العربي، كما يقول الشاعر عمر الضرير في كتابه (مووايل تهامية) عند حديثه عن الشاعرين علي باري وامبريق.

فتاويه:

أما الاستفتاء فقد اشتهر به جل شعراء تهامة الشعبيين مثل امبارك بكير وزربة والنهاري حسن في القناوص وصغير ماطر في كعيدنة، وبن غازل وابن جمرك في الساحل، وابكر سرين في سردود وبلاد الخضارية، وسي شعيب الأهدل في المراوعة، والرامي  في المنصورية، وغيرهم.

وكان الاستفتاء إما أن يأتي عن حاجة حقيقية إلى معرفة شيء ما كما حدث مع سي شعيب الأهدل حين وقع خلاف كبير بين أسرتين كبيرتين من أسر المراوعة.

إذ تزوج فتى هاشمي من أسرة كبيرة على فتاة هاشمية من أسرة أخرى كبيرة أيضاً ، وليلة الزفاف لم يستطع الزوج الدخول على عروسه، وتفادياً للحرج أشاع أن الفتاة زفت إليه فاقدة بكارتها، وهذا ما دفع الأسرتين إلى الشجار حتى وصلتا إلى حافة الاقتتال، وبعد تدخل أهل الخير استقر الرأي على تحكيم سي شعيب، فاجتمعت الأسرتان في مكان واحد لسماع أقواله، فتوسط الجلسة وقال شعراً طويلاً حتى أفضى إلى بيت القصيد الذي فصل القضية بين الطرفين وذلك حين فقال:

وْمَا لاَ جَبَانْ عَلى نَجْدْيِهْ يَتْمَخْيَلْ([2])

وَلاَ جِدّ ابُوْهْ شَرِيْفْ([3])

فْوَاتُ مَا بَيْنْ يَابِسْ وْدَيْرْ مَهْيَلْ([4])

فكنى عن الفتاة بالنجدية .. (أي المهرة الأصيلة). ولمح بذكر الجبان الذي لا يستطيع التمخيل على المهرة إلى عجز الشاب وضعفه عن إتيان زوجته..

وكان ذلك حكماً للفتاة عليه وهو حكم قبله الطرفان..

وانتهت القضية بالفراق بين الزوجين (أورد القصة الضرير في كتابه المشار إليه) ص34.

كما كان الاستفتاء يجيء عن رغبة أشخاص أو جهات غالباً ما تكون جهات نافذة أو هاوية في تحدي الشاعر، كما حدث أكثر من مرة مع شاعر تهامة الأسطوري مبارك بكير المتوفى قبل أكثر من مائة سنة.

ومن أمثلتها:

أن ناس يمنا ([5]) من زبيد جاءوه بخدعه وهو في سارية وكانت الخدعة تتمثل في أنهم ألبسوا فتاة هاشمية في أول سن البلوغ قميصا شفافاً يسفر عن كل ماتحته ووضعوا لها مسحقة (مطحنة صغيرة يطحن بها الطيب) على منبر (سرير صغير يكون عادة متكئاً)وقدموا لها ألواناً من الطيب تطحنها فيما هي تحمل ولداً صغيراً على عكنتها (وركها) ثم وضعوا الطيب المطحون في إناء غلفوه بعدة أغلفة وذهب جماعة منهم به إلى سارية من سواري بكير في الشام وسلموه ذلك الطيب المغلف صامتين دون أن يخبروه عن ماهية الشيء ولا من هم ولا من أين جاءوا فتناوله منهم وقال:

رُحْبَيْنْ بِاليدَ اليِمَانِيهْ ([6])

 

رُحْبَيْنْ باللي وْصَلَوْا

رُحْبَيْنْ باليدَ اليِمَانِيهْ

 

نُجُوسْ ([7])  لَمْ يَطْهَرُوا

يا بُنْكْ في صِيَانِيهْ 

 

يا بُنْك بَيْنَ اوْعَرُ([8])

دَقَهْ شريفْ هاشمي

 

جالسْ على منبرُ ([9])

دقنَّه طَوِيلة الحنزيهْ([10])

 

لا عاري ولا موزّرُ ([11])

دقنَّهْ طويلة الحنزيهْ

 

في جنبها خِنْجرُ([12])

حْنَا حَامِدِينْ شَاكِرينْ

 

وهُنْ هِنَاكْ يَقْبُروا ([13])

قالوا إنها ماتت في تلك اللحظة.

ومثل هذا حصل مع الشاعر سود معمى وبطرق مختلفة.. وقد اشتهر ذلك عنه وعرفه الناس فكان – العشاق منهم خاصة- يأتون إلى سود ليروا إلى أين تنتهي قصص حبهم، وبعضهم كان يتنطع ويخرج عن المنهج، وهو السؤال عن إمكانية اللقاء بالمحبوب إلى محاولة فضح ما جرى بينه وبين المحبوب على لسان الشاعر، وكان هذا النوع من المستفتين بعد أن يصل إلى محبوبه ويستمتع به جسدياً.. يذهب إلى سود لعل سود يقول فيه ما يجعله يتيه فخراً بفحولته ورواج بضاعته عند النساء.

وهذا ما حدث مع أحدهم وكان اسمه شوعي سعيد، وقد اشتهر شوعي سعيد بعشقه الشديد لسود حتى أنه كان يحفظ الكثير من شعره، وكان يقول: من عشق ولم يسمع سود ويعشق شعره فهو ليس بعاشق ولا فاهم لشروط العشق، وكان يقول: من لم يعشق فعليه أن يسمع سود لأنه سيعلمه كيف يعشق، فسود كما يقول شوعي (يخرج امخافيه).

ذات مساء وكان شوعي قد عاد من السعودية قبل بضعة أيام…. ويبدو أنه كان قد واعد محبوبة له وظفر منها بما يريد.

مما جعل الطرب يستخفه ويدفع به نحو سود ليعرف ما سيقول.. ومن خبت المنيرة اندفع على دبابه (موتوره) إلى حازة القناوص، إلى قرية السقبان حيث يقيم سود،.. وذلك بعد أن جهز الهدايا والقات – وسود من المغرمين جداً بالقات وأنواعه الراقية.

وعندما وصل شوعي إلى قرية سود وجده متأهباً للذهاب إلى دوغان معقل المشائخ بني الكلفود المشهور، وإحدى بئيات سود الجيدة لقول الشعر.

أردف شوعي الشاعر سود خلفه على الموتور وانطلق، وفي الطريق شعر سود بما في نفس شوعي، فقال ساخراً:

رَيِّسُ خَسّ رَيِّسْ([14])

سَرَىْ على امْعَرْجْ نَاشَهْ([15])

وَمْعَيَّا أنَا عَطْرْ حَبْشُوشْ([16])

سَفَجْ ومَلّى فِرَاشَهْ([17])

فأوقف شوعي الموتور وقال له: عم سود اطلب الله ماشي هدبزبك([18]) من على امدباب لما كسر أضلاعك.

ما أثر في نفس شوعي هو استيعابه القوي لقول الشاعر سود معمى… فقد نسبه إلى الخسة، كما نسبه إلى أصل غير جيد، أما المرأة التي أراد شوعي فضحها فقد كنى سود عنها بشجرة السدر (العرج) وكنى عن الفعل بـ(النوش، ناش، ينوش، نوشاً) أي أمسك بفروعه وهزه هزاً شديداً.. وهذا النوش أو النوشان يستعمل عادة لإسقاط الكين (النبق).

وسود يجري في هذا على عادة الشعراء الشعبيين، وفي كلامه تناص واضح مع شعر مشهور له قصة:

يقال: - ولم يؤكد لي أحد من أهل القناوص أو من غيرهم أن هذا حدث فعلاً – يقال أنه قبل عقود – ربما في أوائل القرن العشرين أو قبلها هبطت إلى القناوص أسرة أغلبها من النساء الشابات الجميلات قادمة من منطقة أخرى مجاورة.

وقد استقطب جمال أولئك الشابات معظم الشباب الذين نال أكثرهم وطرهم منهن، إلا أن رجلاً لم يستطع الوصول إليهن مع غرامه الشديد بهن وتوقه المندفع إليهن، وربما كان هذا الرجل فقيراً أو دميماً فلم يلتفتن إليه فقال أو ربما قال شاعر على لسانه: (أحتاج أن أتأكد)

عَرْجُ سِقِطْ فِي امْقَنَاوِصْ

سِقِطْ عَلى مِيْتْ خَدْرُوشْ

كُلِّيْ بْعَرْجَهْ يِنُوشَهْ

وَانَا بَلا رَاقْبَهْ نُوشْ

وهي حادثة تذكر بحالة ابن الرومي الشاعر العباسي الشهير مع (وحيد) المغنية المشهورة في عصره، إذ يقول مصوراً استمتاع الآخرين بها وحرمانه منها مع حبه الشديد لها:

أخذ الدهر يا وحيد لقلبي

منك ما يأخذ المدل المعيد

حظ غيري من حسنكم قرة العين

وحظي البكاء والتسهيد.

* * *

إشاراته:

إلى جانب الفتيا برع سود في الإشارات… والإشارة هي كشفٌ عن حادث أ و أمر مهم قريب الوقوع.. يكشف للشاعر فيذكره تصريحاً أو تلميحاً.. قبل وقوعه أو وقت وقوعه.. إذا كان وقوعه في بلاد بعيدة.. وقد حدث هذا كثيراً. ففي نهاية الستينيات وبداية السبعينيات ألمت بتهامة مجاعة أتت على الأخضر واليابس واتفق ذلك مع بداية الطفرة النفطية في السعودية فتوجه عشرات الآلاف أفراداً وأسراً إلى الغربة وبدأت الأموال تجري في أيدي الناس، ولارتباط الناس بذاكرتهم الشعبية، فقد كان للشعراء الشعبيين أمثال سود رواج واسع في مجالس المغتربين وعزبهم في جده.

سافر سود إلى جده في أول السبعينيات، وكان الناس بسبب تعلقهم بالمطر يسألون كل واصل من اليمن هل نزل المطر، فيجيب بأنه لم ينزل بعد، ولكن سود في أمسية من أماسيه تحدث عن مطر غزير في تهامة والجبال المشرفة عليها، وعن سيل وافرٍ يملأ كل الأودية والشعاب، تحدث عن وادي تباب بالذات الذي تقع قرية الشاعر والقرى المجاورة لها على مجراه، وذكر أنه سال سيلاً عاتياً… ولم يتنبه الحاضرون لمغزى كلامه، وبعد يومين قدم أناس من اليمن فأخبروا بما حدث، والحقيقة أنه بينما كان سود يغني في تلك الليلة ويتنبأ بالسيول والمطر في تهامة، كانت تلك المناطق التي جاء منها الشاعر تشهد الفيضان المشهور بمطرة الجمعية نسبة إلى يوم الجمعة الذي وقع فيه، حيث أظلمت الدنيا لأكثر من ساعة كأن الناس في منتصف الليل، ونزلت السيول كالجبال فدمرت الفنايا والزبر وجرفت الأراضي وذهبت أملاك ونفوس في تلك المطرة المشهورة.

وهو نادراً ما تمر سارية من سواريه بدون إشارة مثل قوله في إحدى المناسبات:

وْعَبْرَهْ شَتَنْزِلْ مِنَ امْحِزّ([19]

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

سود معمى أو الغناء بضمير الجماعة

كتبها Maureen Maureen ، في 1 ديسمبر 2009 الساعة: 18:47 م

سود معمى  أو  الغناء بضمير الجماعة

الحلقة الثانية

نشرت في صحيفة الثورة، بتاريخ الخميس - 29 - اكتوبر - 2009م

علوان مهدي الجيلاني

هو وشعراء عصره

ولد (سود معمى) في نفس الفترة التي مات فيها الشاعر الأسطوري مبارك بكير.. الذي ينتسب إلى قبيلة صليل مديرية القناوص([1]) وشهد جزءاً من حياة الشعراء، امناجي ثواب، ومحمد نهاري، واموسي، ومصلح هادي، وأحمد الجوهري، ولا أدري إن كان قد ارتبط بهم أو عرف شعرهم أم لا. ولكن الأكيد أنه عرف وعاصر بشكل جيد شعراء من سربه وطريقته ومستواه مثل عقص، وجياح (من وادي مور) وسعد الله العدواني (من دير السيف) القناوص، وهم كانوا يغنون للنساء وقد ماتوا مبكراً، وكذلك الشاعر يوسف خبش من النجاري- القناوص، وزبله من بني قيس، وابن غازل الذي يذكره سود في كثير من شعره.

وقد لاحظت من كلامه معي اعتزازه الشديد بنفسه وشاعريته، فهو يرى ألا أحد من الشعراء يستطيع معارضته (يقصد مجاراته)، ولذلك فهو لا يأسِّفْ بهم (أي لا يلقي لهم بالاً)، ولكنه يؤكد أنه نادراًَ ما تعرض له أحد من الشعراء لمعرفتهم مكانته وقدرته، وقد ذكر لي الفنان التشكيلي (عبد الله خميس)([2]) أن  سود معمى خاض مناظرة شعرية مع زبله شاعر بني قيس، فانهزم زبلة لسود مصرحاً أن سود مَعْمَىَ مثل الجمل الهائج إذا لم يجد ما يأكله فإنه يأكل ذراعيه.

ومن أبرز طرائفه الدالة على اعتداده بشاعريته ما حدث في محضر (عرس) عبد الله حسن من أهل الجيلانية وقد كان سود وقتها في شبابه فجيء به ليكون شاعر العرس إلى جانب شاعر يكبره بزمن طويل هو الشاعر يوسف هلهل ـ وهو شاعر من بني عويدان (مديرية القناوص) وكان يقول الشعر على طريقة مبارك بكير ولكن دون مصاحبة القصبة (الناي).. كما أن له منحىً شعرياً هازلاً سماه الشاعر يحيى مناجي: التتنيع (مفرده تُنْعَة، وجمعه تُنَعْ) (أي أنه صاحب مفارقات مضحكة).

حضر سود فبدأالمقيل به .. وعندما وصل هلهل اغتاظ لِمَا رآى من سلطنة سود والتفاف جمهور الحاضرين حوله.. وكان هلهل يرى أن من حقه أن يدل  على الناس بشاعريته وتاريخه الشعري.. فبادره قائلاً:

(الْقُطْ عِجَالْتَكْ وْبُكْ شَخْطِطْ لَكْ فِي امْرَوْنْ.. قَادَعْ رَاعِي امْثِيْرِهْ اللِّي تْنَاكِعْ امْكَدَرْ وْتَضْمِدَ امْعَسَرْ.. وْتْكَسِّرْ امْحَجَرْ)..

والمعنى أن شاعرية سود أو أسلوبه الشعري أشبه بالحراثة على عجول صغيرة السن بمحاريث ضعيفة لا تنفع لحراثة طين الحواز المشعون بالردح والحجارة والطين الصلب، وأن هذا الأسلوب الشعري الضعيف الهش.. سطحي لا يغوص على المعاني العميقة ولا يستخرج كمائن التجارب الإنسانية.. ولا يستكنه لواعج القلوب.. وليست فيه الصور العجيبة المدهشة.. فهو تماماً كمحراث صغير ضعيف يجره عجلان صغيران في أرض رونه (رملية) هشة يكتفي المحراث بشق سطحها فحسب.

أما أسلوبه هو (هلهل) فهو كحراثة طين الحواز الصلب بثيران ومحاريث قوية قادرة على شق الأرض وقلع وتكسير كتل الطين (الكدر).. وتقليب الحجارة التي جاءت بها السيول ودفنتها في الرداح..

وقبل أن يستوعب الناس هجوم هلهل المباغت رد سود:

(ثِيْرْتَكْ تْنَاكْعَ امْكَدَرْ وْتَضْمْدَ امْعَسَرْ وْتَقْلْبَ امْحَجَرْ… لَكَنّ تَلُوْمْتَكْ تَاهَبْ صَرْعُ وَاحِدُ بَسْ.. أمّا نَا غُلّ عَنّكْ.. نَا حَصِّلْ شَبُّ وْحَصِّلْ حَمْرَا وْحَصِّلْ دُخْنُ وْحَصِّلْ زِعْقَا وْحَصِّلْ صْقِيْلُ وْقُطْنُ وْذُرَاتِي تَخْلِفْ وْدُخْنِي يْشُوْلْ)..

ومعنى الرد أن سود يعترف لهلهل بقوة الشاعرية وطول التجربة .. ولكنه يرى أن نَفَسَهُ قصير ومعناه الذي يطرقه واحد وأسلوبه لا يتغير (تلومتك تاهب صرع واحد بس) والصرع هو الحصاد الواحد من الذرة.. تموت بعده الجذور لقلة الماء والروي.. وعدم إشباع المطر لها.. فلا يقوم خلفها.. ناهيك عن كونها زرعاً واحداً.

فيما أسلوبه هو (سود) واسع التنوع كثير المعاني (أنا غلّ عنك = غلتي أكثر من غلتك) وهو يُشبّه تنوّع غنائه بتنوع الرقصات التي يغني على إيقاعاتها (الزير والشرجي والدمه.. والشنب والسيددوم والمخدمي.. والزيفه.. والفدايه) بتنوع المحاصيل الزراعية من ذرة (شب وحمرا) و(دخن) وزعقا (حبحب) وصقيل (دجرا –لوبيا-وقطن) ويشير إلى ثراء معانيه وقدرته على التوليد منها بقوله: (وذراتي تخلف ودخني يشول)…

وقد أعجبت إجابة سود الناس فصاحوا بصوت واحد (ايّاهْ قال إيّاهْ قال إيّاهْ) يشجعون سود ويشدون من أزره..

فنكس هلهل معلناً هزيمته وتسليمه .. غير أن سود كان كريم الخصومة إذ سرعان ما تألق مغنياً هذا الزير الذي ينصف فيه غريمه ويعلي من قدره فيجعله شيخاً للشعراء دون أن ينسى نفسه وقدره الشعري:

دَوِّرْ وَرَا امْسُودْ صَبْحَهْ([3])

 

 

الدُّنْيَا عَلَيّا([4]) ظَلاَمْ

وْلاَ نَا بُدِهْ لَقّطَ امْسُودْ

 

 

شَا قُولْ فِيْهُنْ غُمَامُ([5])

وْمَا رِدّ شِي مْنَ امْحَسَنْيِهْ

 

 

لَتْخَالَفْ نْسَامْ([6])

هَبُوكْ لَمّا امْحَسَنْيِهْ

 

 

فِيْهَا بَنَاتُ زْخَامُ([7])

أَحْمِي عَلَى امْشَبّ جَهْدِي

 

 

لَمّا كِدَنَّهْ طْعَامُ([8])

لاَ مُتّ بِاللهْ ادْفِنُونَا

 

 

وْهَبَوا عَلَيَّا مْقَامُ([9])

ويْسُفْ هُوْ شَاخْ امْشَعَارَهْ

 

 

وْسُودْ هَيْجِهْ عَرَامُ([10])

     

أما ابن غازل (الشاعر دوريش حسن المعروف بابن غازل (1925- 1992م) أشهر شعراء تهامة على الإطلاق في النصف الثاني من القرن العشرين) فأغلب الظن أن (سود معمى) قد التقى به إما في اليمن أو في السعودية، ولكن ليس بين يدي روايات تجمعه به أو أشعار تبادلها معه.. إلا أن لسود نصوصاً كثيرة في الإشادة بشاعريته وتفوقه الإبداعي مثل قوله من لون امشنب على لهجة بني قيس:

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير شاعر تهامة الأسطوري(الحلقةالسادسة)

كتبها Maureen Maureen ، في 1 ديسمبر 2009 الساعة: 18:11 م

بكير شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية.. مرجعياتها ونظائرها)

(الحلقةالسادسة)

صحيفة الثورة، العدد (15929)، تاريخ الأحد 22يونيو  2008م

علوان مهدي الجيلاني

(3)

جاءه ناس يمنا ([1]) من زبيد بخدعه وهو في سارية وكانت الخدعة تتمثل في أنهم ألبسوا فتاة هاشمية في أول سن البلوغ قميصا شفافاً يسفر عن كل ماتحته ووضعوا لها مسحقة (مطحنة صغيرة يطحن بها الطيب) على منبر (سرير صغير يكون عادة متكئاً)وقدموا لها ألواناً من الطيب تطحنها فيما هي تحمل ولداً صغيراً على عكنتها (وركها) ثم وضعوا الطيب المطحون في إناء غلفوه بعدة أغلفه وذهب جماعة منهم به إلى سارية من سواري بكير في الشام وسلموه ذلك الطيب المغلف صامتين دون أن يخبروه عن ماهية الشيء ولا من هم ولا من أين جاءوا فتناوله منهم وقال:

رُحْبَيْنْ بِاليدَ اليِمَانِيهْ ([2])

 

رُحْبَيْنْ باللي وْصَلَوْا

رُحْبَيْنْ باليدَ اليِمَانِيهْ

 

نُجُوسْ ([3])  لَمْ يَطْهَرُوا

يا بُنْكْ في صِيَانِيهْ 

 

يا بُنْك بَيْنَ اوْعَرُ([4])

دَقَهْ شريفْ هاشمي

 

جالسْ على منبرُ ([5])

دقنَّه طَوِيلة الحنزيهْ([6])

 

لا عاري ولا موزّرُ ([7])

دقنَّهْ طويلة الحنزيهْ

 

في جنبها خِنْجرُ([8])

حْنَا حَامِدِينْ شَاكِرينْ

 

وهُنْ هِنَاكْ يَقْبُروا ([9])

قالوا إنها ماتت في تلك اللحظة.

 (4)

يروى أن فتاة كانت تلح على أمها تريد أن ترى بكيراً، تقول لها لا بد أن أرى عمي (بكير)، وكانت أمها تحذرها لأنها جميلة، فإذا رآها بكير فلا شك أنه قائل فيها شعراً يقتلها، وفي يوم صادف مرور بكير مع رفيق له بجانب البيت الذي تسكنه تلك الفتاة مع أمها. فرأتها الفتاة فرصة لا تعوض لمشاهدة بكير، ولكن أمها جابهتها برفض شديد إلا أن الفتاة ظلت تلح على أمها حتى وافقت على أن تمكنها من رؤيته ولكن بشرط قالت لها: أنا سأقف بجانب الكابة([10]) وأنت اطلعي رأسك من عكنتي([11]) في لمحة خاطفة حتى ترينه ولا يراك، ففعلت البنت ولكن (بكيراً) لمحها بطرف عينه فقال لصاحبه:

ابني حِتّ ما حِتّ انا ([12])

فقال صاحبه: ما حِتّ؟

قال بكير:

حِتّ امْشِقَاري([13])  امْصِغِيرْ زْجَى ورَدّ انثنى ([14])

فصرخت البنت من داخل البيت صرخة وفارقت الحياة على الفور.

(5)

قال بكير يتنبأ  بظهور آلة الهاتف (التلفون):

ذَحِّيْنْ أتانا هاجسُ ([15])

 

ولي كَاتبُ يَكْتُبهْ ([16])

وعادها شَتَاقَعْ هواتفُ([17])

 

وشيبطلنْ مَكْتِبَهْ ([18])

 ***

صحيح أن الدراسات الحديثة التي تتموضع.. الإنسان.. وخصائصه النفسية وتاريخ تطوره الاجتماعي والثقافي تكاد تجمع على (أن كل بني آدم الأصحاء يولدون ولهم نفس الدماغ المعقد ونفس الحواس التي من خلالها يرون العالم.. ويسمعون الأصوات ويلمسون الأشياء والأجسام ويجدون متعة في الروائح ومذاق الطعام) إلا أن تلك الدراسات تؤكد (أن الطرق التي ينفعل بها أفراد مختلفون بنفس الأشياء أو الحوادث أو ما أشبه ذلك تكون مختلفة.. باختلاف قدراتهم على الفهم والتعلم وباختلاف قوة ذاكراتهم وحصافة تكفيرهم وإمكاناتهم الإبداعية الخلاقة، وتتأثر أيضاً-وهذا مهم جداً- بالطريقة التي يدرك بها الناس العالم، تلك الطريقة التي تصنعها الثقافة التي يتربون عليها.ولكنها –الدراسات الحديثة – تعرف أيضاً أن هناك حالات من الإدراك الخارق امتلكها أفراد عبر التاريخ الإنساني ولا زالت تستعصي على الفهم.. رغم كل المحاولات العلمية الحديثة..) ([19])

وهذا ما فطن إليه الدارسون المسلمون لفترة انبثاق الإسلام منذ ألف سنة فها هو أبو علي المرزوقي المتوفى سنة 421هــ يذهب إلى أن ما سرده الرواة والإخباريون لا يعدو أن يكون غيضاً من فيض ما يتلى من آيات الكهنة.. ويعلل لقلة ما يروى عن الأمم  القديمة من أمثال ما حدث إبان الفترة التي سبقت ظهور الإسلام من حيث وفرة الروايات ومن حيث نوع البلاغة التي استعملت في تأدية القول.. بأنها كانت من قبيل (تسبيب الأسباب لما يقضيه الله ويهيء الأسباب والدواعي لإتمام ما يمضيه) وأن كثافة التكهن في تلك الفترة إنما كانت (تمريناً من الله للناس على ما يريد إظهاره من إعلام بالنبوّة). (فكما تناهت البلاغة نظماً  ونثراً على ألسنِ فصحاء العرب ليعقبها التحلي بالقرآن.. فيَبِينُ شأن الإعجاز.. كذلك تعالت أشواط الكهان والحزاة فيما تهاذوا به وادعوه في أوقاتهم من علم مكتمن الأخبار ليعلوها شأن النبي عليه الصلاة والسلام في إعلان المغيبات وسائر ما أتى به من البينات) ([20]) .

فكأن المرزروقي يفسر ذلك بروح العصر التي تهيمن على حياة  المجتمع فتطبعه بطابعها.

(وقد كان الشاعر أمية بن أبي الصلت يتكهن ويطمع في النبوة، ويزعم أن له رئياً يأتيه من شقه الأيسر.. ويحبُّ أن يأتيه في ثياب سود.. وذكر ذلك لراهب فقال: كدت تكونه ولست هو، إن صاحب هذا الأمر يأتيه رئيه من شقه الأيمن، وأحب الثياب إليه أن يأتيه فيها البياض….) ([21])

وهو يذكر أيضاً…

أن الكهانة كانت فاشية في الجاهلية، وأن من معجزات النبوة وآياتها انقطاع الوحي بعد الإسلام. ثم يردف أن أخبار كهنة العرب عجيبة إن كانت صحيحة)…وتجمع المصادر العربية على التفريق بين الكهانة والوحي بعدة فروق.. منها:

الوحي علم من عند الله يتنزل به وحيه على نبيه، فهو خاص بالنبوة التي لا تدرك غايتها لأنها محفوفة بالصدق والنزاهة والآيات البينة وعليها واقية من قبل الله تعالى يبعدها من الريبة، ويحفظها من درن الشبهة والظنة.

أما الكهانة فعلم تسترقه الشياطين من السماء الدنيا دون تبين ولا توثق، فيصدق بعضه ويكذب بعضه.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بكير شاعر تهامة الأسطوري (الحلقة الخامسة)

كتبها Maureen Maureen ، في 1 ديسمبر 2009 الساعة: 18:04 م

بكير شاعر تهامة الأسطوري

(الظاهرة البكيرية.. مرجعياتها ونظائرها)

(الحلقة الخامسة)

صحيفة الثورة، العدد (15922)، تاريخ الأحد  15يونيو  2008م

علوان مهدي الجيلاني

 

(2)

عندما دخل الأتراك إلى البلاد في دخولهم الثاني إلى اليمن.. قاومهم أهل البلاد مقاومة ضارية.. وكان أحد سراة البلاد رجلٌ من دير البواح .. اسمه البواح .. كان من ملاك الأراضي وكان يمتلك أيضاً الكثير من المواشي . بقراً وخيلاً وجمالاً وغنماً..

وقد تزعم هذا الرجل المقاومة ضد الأتراك فأعمل يده وأيدي أتباعه.. قتلاً فيهم.. حتى شاع أمره وأطاعته الناس، وأعلن في البلاد من الجبل إلى البحر أن اقتلوا الأتراك..

ولكن منافسين له بدأوا يتربصون به .. دون أن يستطيعوا النيل منه .. حتى جاء إلى الزيدية والٍ (قائد أو قائم مقام عثماني قوي الشكيمة، شديد البأس .. اسمه محمد الأمين التركي..) ([1]).

فذهب منافسو البواح إلى ذلك القائد وحرضوه عليه وأغروه به .. معرضين بعدم قدرة القائمقام التركي على البواح وعجزه عن النيل منه .. زاعمين أنه إن أرسل في طلبه فلن يجيبه .. حتى أحفظوا قلب القائد فقرر الإرسال عليه..

وما أن تأكد منافسو البواح من نجاحهم في إثارة الوالي وجعله يعبئُ قواه ضد البواح .. حتى سارعوا بالذهاب إلى البواح .. في قريته وأخبروه أن الوالي ينوي به شراً .. وأنه إن أرسل في طلبه فعليه أن يرفض ولا يستجيب .. وهكذا .. فقد أرسل الوالي عسكرياً واحداً لطلب البواح .. فرفض البواح الحضور.. فعاد الوالي وأرسل اثنين .. فرفض البواح مرة أخرى.. فقرر الوالي هذه المرة إرسال أربعة من العسكر لإحضاره.. في تلك الأثناء كان منافسو البواح عند الوالي وكانوا قد ملأوا نفس الوالي عليه .. وأقنعوه  هذه المرّة بضرورة قتله قبل أن يصل به العسكر إلى الزيدية..

فكتب الوالي مع العسكر الأربعة رسالة إلى البواح يخبره أنه مصمم على استقدامه إليه حيّاً أو ميتاً.. وقام العسكر الأربعة بمفاوضة البواح حتى أقنعوه بالخروج معهم.. فلما خرج معهم لم يكن يعلم أنهم يبيتون قتله في الطريق .. وأن صليلاً (قبيلة صليل) التي كان يملأ بها يده.. قد بدأت تتخاذل عنه..

انطلق البواح مع العسكر من دير البواح شمال القناوص حتى وصلوا به إلى جنوب دير عطا .. وفجأة وجهوا فوهات بنادقهم إلى جسده فمزقوه .. فخرّ البواح قتيلاً.. وكان رجلاً جسيماً دسماً .. قال الرواة فبقى الدود والجعلان (الحميّا) تتجمع على المكان الذي سال فيه دمه سنة كاملة.

وفي اليوم الثاني لمقتل البواح تجمع الناس من شتى بقاع صليل وتوجهو إلى الزيدية .. مطالبين بتسليمهم غرماء البواح الذين قتلوه وكان مع المتجمهرين مبارك بكير يهيجهم .. حتى خرج الوالي إليهم ..

ولأن الذين حرضوا على قتل البواح .. يعرفون أن كلمة من بكير سوف تحول ذلك اليوم إلى يوم أسود عليهم وعلى الوالي فقد حاولوا استباق بكير قبل أن يقول أي كلام .. فأخبروا الوالي عنه.. ونصحوه أن لا يتعرض له..

وفيما كان الوالي يحاور صليلاً  ويشد ويرخي معها حول ما حدث أشاروا له إلى بكير وقالوا له هذا..

فقال الوالي: (العصة) كما بدأت؟([2])

ثم التفت إلى بكير وقال له:

ما اصبحت وابا([3]) بكير

فقال بكير: كيوك..([4]) 

لا انْتَهْ ابني ولا ا نا أبّ لكْ

 

ذا تْوبِّيُ([5]) بَالمزاحْ

ابني امْبَوَّاحْ باحْ امصنَّره

 

وباحْةَ اربعْ بُواحْ

ابني امْبَوَّاحْ باحْ امصنَّره

 

وفيانْ([6]) بَاحِةْ بُواحْ

هُوْ اللَّي طَبَعَ امْطُليَانْ وسمّرَهْ ([7])

 

وطَبَعْ امْهِلالْ في امْوضَاحْ ([8])

هُوْ اللَّي وْزنَ الْجِبَالْ بالفَرَاصِلهْ ([9])

 

وكَالَ الْبْحَرْ بالقِدَاحْ ([10])

هُوْ الَّذي لا لاحْ في دَاركُنْ ([11])

 

تَمْسِي خُيُولَكْ سْياحْ ([12])

فانكسف الوالي مبهوتاً.. واهتزت صليل لما قاله بكير..

فقالت: اسلم وزد..([13])

فالتفت إليها مشمئزاً من تخاذلها عن البواح بالأمس وقال:

 

لعنتُ الله تَنزِلْ لُفّيهْ ([14])

 

 

على صُلَيلَ النِّذَالْ ([15])

 

 

الواحدْ يَرضَى عَلَى مَكْلَفَهْ ([16])

 

 

وِيَفْرَحْ لَها بالنَّكَالْ

 

 

 وليلةَ امْعُرُسْ حَقّهَا

 

 

تَمْسِي بْشَر‍ّ الفِعَالْ

 

 

 وتصبحْ امْطررْ ([17]) منشّره ([18])

 

 

وامْوِجْهْ مِثْلَ امْهِلالْ

 

         


(يقصد بقوله اموجه مثل امهلال حالة الكسوف التي تصيبها لأنها دخلت على زوجها وقد فقدت بكارتها قبل أن تزف إليه).

فخسئت صليل ولم تدر ماذا تقول..

ثمّ إن الأمين الوالي التركي بعد أن عمت فوضى صليل.. نتيجة لتهييج بكير لها .. اجتمع بألئك النفر المحرضين .. فأخبروه أخباراً عن بكيراً منها أنه يعلم الغيب .. أو يدعي أنه يفتي([19]) ما في الغيب فرآها الوالي فرصة .. أو جريرة يأخذ بكيراً بها .. وكان الوالي -رغم استيائه من بكير بسبب تحريضه لصليل ضده-.. يخفي في نفسه إعجاباً بشجاعته .. ولكنه أيضاً كان مصراً على معاقبته .. وهكذا أرسل إليه .. وعندما حضر.. قال له الوالي: أنت تفتي ما في الغيب .. وعليك أن تخبرني الآن بمُغيب من المغيبات التي تخبر عنها وإلا قطعت رأسك.؟

فقال بكير: أنا شاعر لا أعرف الغيب .. الذي يعلم الغيب هو الله. ولكن الوالي أصر.. وظل يلح على بكير تهديداً ووعيداً .. حتى قرر بكير أن يستدعي قصّابه (عازف الناي الذي يعزف له) واسمه أبكر جمعان من دير المكين .. واستدعى دريب وهو عطويّ من دير الربيدي ليساعد أبكر جمعان إذا تعب..

وهُيئت الليلة  وبدأ القصّاب يقصب .. فدار عليه بكير ثلاث دورات ثم قال:-

 

إلاّ ([20]) يا عبدْ عبد امخباتْيِهْ ([21])

 

 

ويا عَبْدْ جَاهِلْ حَسِينْ ([22])

 

 

إلاّ يا عَبدْ عبدَ امْخبَاتيْهْ

 

 

ويا عَبدْ ديرْ امّكِينْ ([23])

 

 

 أنا اسْمَعْ زَفِيْرْ امْعبِيدْ امّنَخّرَهْ ([24])
 

 

 

وحيْدْ عُبْرَ امْجرِينْ ([25])

 

 

 لا شَفْرَتَكْ مدْحِلهْ ([26])

 

 

كامْكِيرْ مِنّهْ تْلِيْنْ ([27])

 

         

فقال أبكر جمعان: هتمسينا ([28]) يا عم مبارك.. (يشير إلى ما عرف عن بكير أنه إذا وصف قتل..)

فقال بكير: ما علاك شي([29]) .. امبقرة .. تزبط ابنها لما توزيه([30]) هناك.. ويتقلعب على الأرض ويزوع([31]) يوشع([32]) فيها ويعيش([33]).

(ومعنى كلامه أن البقرة عندما ترفس ابنها .. فإنه مهما كان رفسها قوياً فإنه لا يضره.. فهو يتقلب على الأرض ثم ينهض ليقتحم ضروعها ثانية ويرضع..) والكلام كله كناية عن أن بكير قد أعطى لقصّابه حصانة من كلامه القاتل فهو مهما قال فيه لا يضره).

أمر بكير قصّابه أبكر جمعان بمواصلة العزف .. حتى تسلطن وانقاد له هاجسه .. ثم التفت إلى الوالي التركي وقال له:

 

مَا امْسْيتْ ([34]) يا هَاشْمِي

 

 

ومَا امْسْيتْ يابنَ الأمِيْنْ([35])

 

         

 ثم عاد ليلف ويدور حول قصّابه.. فيما كان الوالي التركي يتحرق شوقاً لما سيقوله .. وفجأة نظر بكير إلى القبلة نظرة بعيدة كأنه يرى شيئاًَ خلف الأفق وقال:

 

 برق ونا خيّله ([36])

 

 

مِنْ فوقْ دِمَشْقَ الْعِرَاقْ ([37])

 

 

مِنْ تَحتْ زورَ الرَّاحِلهْ ([38])

 

 

ذِراعْ مِنْ امْقَعْ فِرَاقْ ([39])

 

 

على تَاكْ التُّركْ الْكَوَالِيهْ ([40])

 

 

اللي امحزّمَهْ بامْعِراقْ ([41])

 

 

الليلة في بلادكن ماطرُ ([42])
 شش

 

 

ثَمانْ موقع شراقْ ([43])

 

         

 

ولْكْ بيتْ عالي مْشَرّقُ ([44])

 

 

مِنْ فوقْ بابَهْ زْقَاقْ ([45])

 

 

في امْبَابْ قُصْرَهْ رَابِيَهْ ([46])

 

 

قُصْرَهْ تُسّمّى الْمَسَاقْ

 

 

فيها اثنين طيورُ سَاكِنَهْ

 

 

امَّجْنْحِهْ كامْوِرَاقْ ([47])

 

 

وأمّكْ تْسَمّى فاطْمَهْ

 

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي